الحكيم الترمذي

9

غور الأمور

فما استقبلني شئ هبته ، حتى إن الكلاب ينبحن في وجهي فأنس لنباحهن من لذة وجدت في قلبي . . حتى بدا لي أن السماء بكوكابها وقمرها صارت إلى قرب الأرض وأنا فيما بين ذلك أدعو ربى ، ووجدت كأن قلبي نصب فيه شئ ، فإذا وجدت تلك الحلاوة التوى وتقبض بطني ، التوى بعضه عن بعض من شدة اللذة واعتصر ، وانتشرت في صلبي وعروقي تلك الحلاوة ، وكان يخيل إلى أن قربى من مكان قرب العرش . فما زال ذلك دأبى كل ليلة إلى الصباح : أسهر ولا أجد نوما ، فقوى قلبي على ذلك ، وأنا متحير ، لا أدرى لما هذا ، إلا أنى ازددت قوة ونشاطا فيما كنت فيه . وهاجت بالبلاد فتنة وانتقاص أمر ، حتى هرب جميع من كانوا يؤذونى ويشنعون علىّ في البلاد ، وابتلوا بالفتنة ، ووقعوا في الغربة ، وخلت البلاد منهم . فبينما أنا كذلك إذ قالت لي أهلي : إني رأيت في المنام كأن قائما في الهواء خارجا من الدار في السكة ، في صورة رجل شاب ، جعد ، عليه ثياب بياض ، له نعلان ، ويناديني في الهواء ، وأنا في الصفة بحذائه : أين زوجك ؟ قلت : خرج ، قال : قولي له : إن الأمير يأمرك أن تعدل ، ثم مر . فلم يأت على هذه مدة ، حتى اجتمع الناس ببابي من مشايخ البلد ، من غير أن أشعر بهم ، وقرعوا الباب ، فخرحت إليهم فكلمونى في القعود لهم . . وقد كان هؤلاء الأشكال قد قبحوا أمرى عند العامة قبحا كنت أتوهم أنهم السقم أكثرهم ، لما كانوا يذيعون « * » هؤلاء على من الكلام القبيح ، ويشنعون أمرى ، ويرموننى

--> ( * ) هكذا في الأصل ، والصواب : لما كان يذيع ، لأن واو الجماعة لا تلحق الفعل إذا كان فاعله جمعا .